تحليل: حزب المقاطعين الصامت يهيمن على المشهد السياسي بالمغرب





يوسف كمال
حل حزب المقاطعين أولا في استحقاقات 7 أكتوبر،  ومن ضمن 15 مليون مغربي مسجل في اللوائح الانتخابية لم يذهب إلى صناديق الاقتراع غير ستة ملايين شخص أما الذين قاطعوا الانتخابات من بين المسجلين وغير المسجلين فعددهم يتجاوز 20 مليونا.
لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نتجاوز هذه الأرقام وأن نتحدث عن عرس ديموقراطي صفق له الفرنسيون والأمريكيون والأفارقة و…. فأهل مكة أدرى بشعابها المغاربة الذين لم يذهبوا إلى صناديق الاقتراع فعلوا ذلك لأنهم يائسون وفاقدون للأمل أو لأنهم أدركوا على جهة اليقين أن الأحزاب السياسية عاجزة عن التغيير أو لأنهم غير مبالين إطلاقا بما يحدث حولهم وفي جميع الأحوال فإن هذا لا يبشر بخير.
إن الاتجاه العام  الذي اختاره الكثير من الإعلاميين ورجال السياسة هو تثمين الخطوات الجبارة التي خطاها المغرب نحو الأمام ، وهؤلاء مستعدون دائما لتثمين كل شيء وللتصفيق في كل مناسبة وإن تعجب فاعجب لأنهم يصفقون في المآسي أيضا وبحماس شديد،  يصفقون ويهللون لأن الأمراض المزمنة التي تفتك بالملايين لا تقتل منا غير الآلاف،  ويثنون على الدولة لأنها وفرت مقاعد للدراسة يجلس فيها أربعة في كل طاولة بينما في بلدان أخرى من القارة الإفريقية لا توجد مدارس أصلا ، ويشيدون بالنموذج المغربي في مكافحة المخدرات لأن عدد المدمنين لا يتجاوز المليون بينما في بلدان أخرى ككلومبيا يعد بالملايين ، ويعدون المغرب استثناء لأن العهر فيه لم يصل إلى الحد الذي وصله  في التايلاندا ، باختصار إنهم يصفقون وسيصفقون دائما لأننا أفضل الفاشلين وأول المتخلفين وأنقى المتسخين … إن الأمة حين تفكر نخبها الإعلامية والسياسية والإدارية والاقتصادية بهذا المنطق بعد أزيد من نصف قرن على الاستقلال لجديرة بأن تحشر مع الأمم الفاشلة ، لأنها ما زالت تنظر إلى موطئ قدميها وهذا الخطاب الذي سمعه المغاربة آلاف المرات صار مملا ولا يستهوي أحدا .
في البلدان المتقدمة لا تكاد تجد إعلاميا واحدا أو سياسيا شم رائحة السياسة يثني على الدولة لأنها أفضل من الصومال و ثيوبيا فالذي ينظر إلى السماء غير الذي ينظر إلى الأرض والذي يقارن نموذجه بالنماذج البائسة الضعيفة يعلم قبل غيره أنه لا يملك انجازات يستغفل بها جمهوره
فالمقارنة مع الأمم المتقدمة أو السائرة في طريق النمو مزعجة إلى حد كبير
إن الخطاب السياسي لم يعد يجذب جل المغربة لأنهم يحتاجون إلى فعل يغير واقعهم المتردي لا إلى خطاب أجوف ووسائل الاتصال الحديثة عمقت إحساس المغربي بالخيبة والغبن لأنه تجاوز المعلومات الرسمية وصار بإمكانه تحصيل معطيات ومعرفة غير موجهة ،و المغربي يذكر أن الداخلية في عهد البصري كانت مرتبطة بالإعلام وكانت وصية عليه وكان الوصول إلى المعطيات والمعلومات الموضوعية  في ذلك الزمن حكرا على النخبة أما اليوم فهذا المغربي يعلم أنه ينتمي إلى بلد نصف سكانه مرضى ( ملايين المصابين بالسكري والكباد والسرطان وباقي الأمراض المزمنة حسب إحصاء رسمي ) والنصف الآخر أمي ويعلم أن الفساد مهيمن على الإدارة المغربية وأن أكبر رأس ستفرزه الانتخابات لن يزيد على القول بأنه عاجز وأن علينا أن ننتظر أربعين سنة أخرى لتتغير أحوالنا فخمس سنوات لا تكفي ولن تكفي عشر سنوات كذلك ولا حتى 15 سنة أخرى …
يقينا نحن لسنا بخير وإذا أرادت النخب اليوم أن تعيد الوهج إلى الحياة السياسية فيجب أن تتخلى عن أنانيتها المقيتة وأن تلفت إلى المساحة التي يحتلها الصامتون عاما بعد عام وأن تدرك أن تحولات عميقة قادمة لن تلقي بمعظم الكيانات السياسية المهترئة  خارج دائرة التأثير فحسب ولكنها ستصنع نخبا جديدة ولغة لا صلة لها باللغة المتداولة في الحقل السياسي اليوم …وهذا نلمسه في حرص بعض الأمناء العامين على استدعاء بعض نجوم الراب لمهرجاناتهم التي لا يتعدى عدد الحاضرين في أفضلها عشرين ألفا ، ونلمسه في إقبال الشباب على إصدارات النشطاء الفايسبوكيين (الشيخ سار ، سكيزوفرين ، مول الكاسكيطة…) الذين يصل عدد متابعيهم إلى الملايين بينما لا يتعدى عدد متابعي ألمع السياسيين بضعة آلاف. إن الأحزاب السياسية وخلفها المجتمع (الذي عجزت عن تأطيره)  تقف اليوم إزاء مرحلة  حاسمة في تاريخها وليس أمامها غير خيار من اثنين
أن تتجاهل صوت الصامتين (وهو صوت الأغلبية الساحقة ) وستفاجأ لاحقا بظهور جيل لا صلة لها به (يتحدث بلغة مختلفة ويعبر بشكل مختلف ويملك أدوات تقنية تجعل صوته أقوى من أصوات الأحزاب كلها  )
أن تعيد النظر في خطابها البعيد عن هموم الناس وفي سلوكها السياسي الذي يغلب مصالح الحزب وحساباته الضيقة على مصالح الوطن ، وأول خطوة في هذا الاتجاه تبتدئ بالإقرار بالفشل عوض النفخ في الانتصارات الوهمية وبالإصغاء لصوت الحزب الصامت وبتحويل الفعل السياسي إلى عمل يومي عوض حصره في الدعاية الانتخابية التي  أثارت من السخرية قبيل انتخابات 7 أكتوبر أضعاف ما أثارت من الاهتمام


شاركه على جوجل بلس

عن التحليل

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق

/* facbook popup*/