الوزير "الداودي" الذي يدرس أبنائه في فرنسا يدبح التعليم العالي دبحا قبل مغادرته لمنصبه، /د.حسين مجدوبي يكتب عن الانهيار المرتقب بعد قرار "الداودي" الانتقال إلى الجامعات الخاصة



التحليل السياسي:
قررت الدولة المغربية الترخيص للجامعات الخاصة في المغرب، وهو قرار يأتي في أجواء ارتفاع نسبة التعليم الخصوصي في الابتدائي والثانوي وكذلك ارتفاع خوصصة (خصخصة) قطاع الصحة، ما يجعل قطاعات مهمة تعتبر من الأسس الجيوستراتيجية للبلاد تنهار تدريجيا بشهادة المغاربة والتقارير الدولية بل والسلطات نفسها.
ويأتي قرار الحكومة المغربية بالترخيص للجامعات الخصوصية في مدة زمنية قصيرة قبل الانتخابات التشريعية التي ستجرى في ظرف عشرة أيام (7 أكتوبر المقبل). ولا يمكن تحميل الحكومة القرار لوحدها، فهو قرار استراتيجي للدولة المغربية بكل مؤسساتها، أي الملكية والحكومة، لأن قرارا مثل هذا لا يمكن أن تقدم عليه حكومة لوحدها، خاصة في ظل الشروط السياسية التي تشهدها البلاد. ويطبع اتخاذ القرار التسرع، لأن الجامعة الخاصة في المغرب ليست مطلبا آنيا بقدر ما يحتاج المغرب إلى تعزيز الجامعة العمومية التي تعاني من تأخر فظيع للغاية مقارنة مع تاريخ البلاد ومحيطها والمقارنة بالجامعات الدولية. ويعتبر الانتقال من العمومي إلى الخاص في جميع القطاعات مرحلة متقدمة من الاقتصاد الحر، لكن المنطق يتطلب الانتقال عندما يكون القطاع العام قد أدى دوره ويحافظ على صلابته، وهكذا، فبعض الدول الأوروبية تشهد جامعات خاصة، ولكن تستمر الجامعات العمومية المرجع علميا وتربويا وتخصص لها الدولة ميزانيات ضخمة مثل حالة الجامعات الإسبانية والفرنسية والألمانية.
وتعتبر الجامعة المغربية متخلفة، ولا جامعة واحدة تأتي ضمن الألف الأوائل، وفق آخر تصنيفين مؤخرا لأول خلال غشت الماضي هو تصنيف جامعة شانغهاي والثاني وهو تصنيف تايمز خلال الأسبوع الماضي. وأصبحت هذه الجامعة تنتج عشرات الآلاف من العاطلين سنويا بحكم عجز المسؤولين عن ربط التعليم الجامعي بسوق العمل في المغرب. ومما يزيد من مأساوية وسوداوية الوضع التعليمي وعمق التساؤلات هو وجود ترسانة من الوزراء مكلفين بالتعليم، فهناك وزير التعليم ثم وزير التعليم العالي ثم الوزيرة المكلفة بالبحث العلمي علاوة على المجلس الأعلى للتربية والتكوين برئاسة مستشار ملكي. بينما تكتفي دول أخرى بوزارة واحدة وسياسة بحث علمي واضحة، وحصلت على مراتب مشرفة للغاية. وكشف تقرير لمنظمة اليونيسكو مؤخرا أن المغرب من الدول التي تسجل نسبا متدنية من حيث الأستاذ الجامعي لكل مجموعة من الطلبة، وتتفوق عليه كل دول الجوار مثل تونس والجزائر وإسبانيا والبرتغال. وبدورها، تعتبر ميزانية البحث العلمي في المغرب، وفق التقارير الدولية، الأدنى من نوعها وفق المعايير الدولية ومقارنة بين المغرب وجيرانه.
وكلمة القطاع الخاص في المغرب تشكل كلمة مرارة لأغلبية المغاربة، خاصة في الوقت الراهن، حيث طغى الجشع والربح السريع على كل القيم. فقد عملت الدولة المغربية على الرفع من القطاع الخاص في الصحة، وكانت النتيجة كارثية، فقد بدأت نسبة مهمة من أطباء القطاع العام يعملون في العيادات الخاصة ويهجرون أغلب الوقت مكانهم في المستشفات العامة، رغم أنهم يحصلون على مرتباتهم من الدولة، أي يجمعون بين مرتب العام والخاص. ولا ندري نوعية الضمير الذي يتمتع به هذا النوع من الأطباء.
ورفعت الدولة في الوقت الراهن من أهمية القطاع الخاص في التعليم، ولا ندري هل هي صدفة أن يكون رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران من المستثمرين في القطاع الخاص في التعليم، وكانت النتيجة هو ترك بعض الأساتذة من القطاع العام أقسامهم والعمل في المدارس الخصوصية، ولكن مع الاحتفاظ بالراتبين، ونبهت الأمم المتحدة المغرب إلى خطورة ارتفاع التعليم الخصوصي في البلاد على حساب العام. وماذا كانت النتيجة؟ تدهور غير مسبوق في قطاع الصحة في المغرب، وتدهور مأساوي في قطاع التعليم. وهذا بشهادة ملك البلاد محمد السادس في خطاباته مؤخرا، وشهادات التقارير الدولية، والأهم شهادات الرأي العام المغربي الذي يعتبر الشاهد الحقيقي لما يجري في أرض الواقع.
وبدأت المأساة تنتقل الآن الى التعليم الجامعي، حيث جرى الترخيص بفتح جامعات خاصة في البلاد، ويبقى التساؤل: هل هذه الجامعات ستعتمد على طاقم تشرف على تكوينه؟ أم ستعتمد على أستاذة الجامعات العمومية؟ نظرا للنسبة المحدودة للدكاترة والأساتذة الجامعيين في المغرب، ونظرا لضعف البحث العلمي، فالجامعات الخاصة ستعتمد بشكل شبه كلي على أساتذة القطاع العام لأن المغرب ليس دولة متقدمة مثل المانيا وفرنسا حيث هناك وفرة في الأساتذة الجامعيين. وشهد المغرب تجربة تناسل الماجستير في عدد من الجامعات، وكانت المصيبة هو عدم وجود ما يكفي من الأساتذة للتأطير. في الوقت ذاته، شهد المغرب نزيفا في الجامعة عندما أقدمت الدولة سنة 2005 على ما يعرف «بالمغادرة الطوعية»، حيث غادر مئات الأساتذة الجامعة مع تعويض ضخم والاحتفاظ براتب التقاعد، وبقيت الجامعة بدون أساتذة، يضاف إلى هذا أن الدولة المغربية لا تسن قوانين واضحة تلزم القطاع الخاص بتكوين المهنيين الذين سيعتمد عليهم.
في المغرب اعتدنا ترديد مقولة تبريرية قد تكون مناسبة وقد تكون للمبالغة في بعض الأحيان وهي «إذا كنت في المغرب فلا تستغرب»، وهي ترجمة حقيقية لما يتم الترويج له «بالاستثناء المغربي». وهكذا، نجد أن الدولة المغربية بقدر ما تعمم المهرجانات الغنائية وتجعلها نقطة رئيسية في أجندتها، لنرى نسبة المهرجانات التي تقام سنويا من المال العام، بقدر ما تعمد إلى خوصصة (خصخصة وفق أشقاءنا في المشرق) لقطاعات ليست فقط حيوية، بل تعتبر من الأسس الجيوسياسية للوطن.
والنتيجة، تراجع مستوى الصحة والتعليم وأداء المواطن المغربي البسيط فاتورة قرارات لا تتماشى ومنطق ضروريات الشعب المغربي. إننا نعيش برمجة الانهيار، ولمن لا يصدق، فليسأل لماذا يحتل المغرب المركز 126 في التنمية البشرية في العالم.


شاركه على جوجل بلس

عن التحليل

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق

/* facbook popup*/