شتان بين دموع رجال الدولة ودموع بنكيران





سعيد لكحل:
انتما كتعزوني الله يعزكم" ، الجملة التي قالها رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران وبكى في فاتح ماي 2016. فأي عز صنعه بنكيران للمواطنين وأي كرامة ضمنها لهم ولأبنائهم حتى يبكي عرفانا لحب الشعب له مثلما فعل الرئيس البرازيلي"لويس أناسيو لولا دا سيلفا" حبا في البرازيل وفي شعبها؟ دا سيلفا استطاع أن يؤهل اقتصاد وطنه ليصير خامس أغنى اقتصاد في العالم في ظرف ثماني سنوات . فماذا قدم رئيس الحكومة للشعب المغربي ؟ لقد استغل مناسبة فاتح ماي ليتباهى بسفاسف الإنجازات (زيادة التعويضات العائلية والتعويض على الولادة ، ومنحة الأرامل ..) لكنه لم يصارح النساء أنه ضد المناصفة التي ينص عليها الدستور ، وضد الإقرار بحقوقهن وفي مقدمتها المساواة ، أو رفع التمييز ضدهن .
أليس بنكيران من دعا أعضاء حزبه إلى"استحضار الخلفية والقاعدة الإيديولوجية، التي انطلقت منها مثل هذه الدعوات، مما يجعل الاضطرار للانخراط فيها، انخراطا واعيا، حتى لا تدخل نفسك أو بلدك في الكوارث".؟أليس هو من طالبهم "بإفراغ مفهوم المناصفة من الأدلجة الغربية، وتبيئته على الطريقة المغربية"؟ لماذا لم يُطلع الشعبَ على الحقيقة ويعترف له بما اتخذه من قرارات تمس قوته اليومي ومستقبل أبنائه وكرامتهم؟ لماذا لم يخبرهم أنه ألغى دعم الدولة للمواد الاستهلاكية لترتفع الأسعار إلى مستويات قياسية يعجز عن أدائها عشرة ملايين مغربي يعيشون تحت عتبة الفقر المطلق ، وأنه سيرفع الدعم عن غاز البوطان ابتداء من يونيو القادم؟ ولماذا لم يعترف للمواطنين أنه لأول مرة في تاريخ المغرب ، فصل بين التكوين والتوظيف وخفض المنحة المخصصة للأساتذة المتدربين إلى النصف وكسر عظامهم في الشوارع وداخل مراكز التكوين؟ فهل لرئيس الحكومة الشجاعة السياسية ليقر أمام الشعب أنه وقّع مرسوما يمنع أي موظف أو أجير استقال أو أقيل لأي سبب ،من حقه في المعاش إلا بعد بلوغه السن القانونية للتقاعد ؟ أليست هذه جريمة لم ترتكبها أية حكومة في العالم بما فيها حكومة إسرائيل في حق الفلسطينيين ؟ حتى حكومات الاستعمار لم تجرؤ على إصدار مثل هذا المرسوم المشئوم ، لكن فعلها رئيس حكومة المغرب الذي يزعم تمثل الدين في سلوكه ومعزة الشعب في قراراته. لماذا لم يعلن بنكيران في الحاضرين أنه مدد في سن التقاعد حتى يُحْرم آلاف الشباب من فرص الشغل والوظيفة ويرمي بهم في براثين الجريمة والتطرف ويثقل كاهل الأسر بالنفقة عليهم ؟ بل سمح للشركات الأجنبية بجلب العمالة من الخارج لتدني أجورها .
لماذا تحاشى الحديث عن ارتفاع نسبة الفقر والبطالة في صفوف الشباب واتساع دائر تسريح العمال وإغلاق المقاولات ؟ يتغنى رئيس الحكومة برفع الحد الأدنى للمعاشات إلى ألف درهم ، لكنه يخفي عن المواطنين خطته الرامية إلى تعميم العمل بالعقدة على كل القطاعات العمومية كما الخاصة ،الأمر الذي سيعصف بحقوقهم الاجتماعية . إن المواطنين البسطاء بحاجة إلى معرفة الحقائق كاملة من فم رئيس الحكومة وليس إلى دموعه التي لن يجعلوها طعاما لأبنائهم ولا لباسا يواري سوآتهم ولا دواء يعالجون به أمراضهم ولا عملا شريفا يحفظون به كرامتهم . كان على السيد رئيس الحكومة أن يصارح المواطنين بأن الفساد في عهده عمّ وساد حتى صار المغرب يحتل المراتب المتأخرة في كل المؤشرات ، وأن الإجرام استفحل حتى أفقدهم كل شعور بالأمن ، وأن الحُڭرة مِن تغوّل الإدارة بلغت مبلغها حتى غدا إحراق الذات ملجأ المحڭورين ؛كما كان على رئيس الحكومة أن يتحلى بالجرأة والصدق ويخبر المواطنين بأنه رهَنَ سيادة المغرب بيد الدوائر المالية العالمية بعد أن بلغت الديون 400 مليار درهم (82.5 % من الناتج الداخلي الخام)، وأن تسديدها سيكون على حساب قُوتهم وفرص تشغيل أبنائهم لأجيال قادمة . فالمواطنون كانوا ينتظرون من رئيس الحكومة إجراءات عملية صارمة يحمي بها المال العام وينميه ويسترجع ما ضاع في النهب والتبذير ، وأن يفي بوعوده الانتخابية التي قطعها على نفسه ،لا أن يدرف دموع العاجز وفي يده السلطة القضائية والسلطة التنفيذية .
أمام هذه الحقائق التي تفضح العجز البين لرئيس الحكومة في تدبير الشأن العام وخدمة مصالح المواطنين والتخفيف من معاناتهم ، لا يمكن لرئيس حكومة يحترم نفسه ويتصرف كرجل دولة يجسد تاريخ شعب عريق في كل تصرفاته ، إلا أن يخجل ويبكي حاله البئيس وعجزه الذريع . فكل رجال الدولة الذين بكوا ، إنما كان من حبهم لوطنهم وغيرتهم على شعبهم وخوفهم على مصيره .
فحين بكى رئيس وزراء سنغافورة " لي كوان " إثر قرار ماليزيا الانفصال عنها ، إنما فعل بحرقة السؤال " كيف ستعيش سنغافورة ؟ وهي الدويلة التي لم تكن مساحتها تتجاوز 600كلم مربع وعديمة الموارد.كانت للرئيس "لي كوان" الجرأة والشجاعة لمواجهة الفساد في كل البلاد وعلى كل المستويات حتى إنه أدخل 6 آلاف مسئول بسبب الارتشاء والفساد والاختلاس ؛ ولم يقل للشعب "ما فراسيش" أو طمأن الناهبين بـ"عفا الله عما سلف" أو راهن على "الهجّالات" والمطلقات (مع كامل الاحترام لهذه الفئة من المواطنات) للبقاء في السلطة؛ بل حرض على العمل والشفافية والكفاءة . الآن سنغافورة تتصدر التصنيف العالمي للدول لعام 2015، من حيث جاهزية تقنيات المعلومات والاتصالات، وأثرها الواسع على الحياة الاجتماعية والاقتصادية ، متقدمة عن فنلندا والسويد واليابان والولايات المتحدة ، فيما المغرب يحتل المتربة 78 . شتان ،إذن، بين دموع رجال الدولة الصادقة التي تعزّ المواطنين ودموع رجال الدعوة الحالقة التي تُذلهم.


شاركه على جوجل بلس

عن التحليل

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق

/* facbook popup*/